ابن رشد
116
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
قديمة فالمراد الذي بالفعل قديم . وأما الإرادة التي تتقدم المراد فهي الإرادة التي بالقوة ، أعني التي لم يخرج مرادها إلى الفعل ، إذ لم يقترن بتلك الإرادة الفعل الموجب لحدوث المراد . ولذلك هو بيّن ، أنها إذا خرج مرادها ، أنها على نحو من الوجود لم تكن عليه قبل خروج مرادها إلى الفعل : إذ كانت هي السبب في حدوث المراد بتوسط الفعل « 81 » فإذن ، لو وضع المتكلمون أن الإرادة حادثة لوجب أن يكون المراد محدثا ولا بد . [ 63 ] والظاهر من الشرع أنه لم يتعمق هذا التعمق مع الجمهور . ولذلك لم يصرح لا بإرادة قديمة ولا حادثة ، بل صرح بما الأظهر منه أن الإرادة [ موجدة موجودات ] حادثة « 82 » وذلك في قوله تعالى « إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ ( 29 / ظ ) لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » * ( النحل 40 ) . وإنما كان ذلك كذلك لان الجمهور لا يفهمون موجودات حادثة عن إرادة قديمة ، بل الحق أن الشرع لم يصرح في الإرادة لا بحدوث ولا بقدم ، لكون هذا من المتشابهات في حق الأكثر . وليس بأيدي المتكلمين برهان قطعي على استحالة قيام إرادة حادثة في موجود قديم ، لأن الأصل الذي يعوّلون عليه في نفي قيام الإرادة بمحل قديم هو المقدمة التي بينا وهيها « 83 » وهي أن ما لا يخلو « 84 » عن الحوادث حادث . وسنبين هذا المعنى بيانا أتم عند القول في الإرادة . [ 64 ] فقد تبين لك من هذا كله أن الطرق المشهورة للأشعرية في السلوك إلى معرفة اللّه سبحانه ليست طرقا نظرية يقينية ولا طرقا « 85 » شرعية يقينية . وذلك ظاهر لمن تأمل أجناس الأدلة المنبّهة في الكتاب العزيز على [ هذا ] المعنى ، « 86 » أعني معرفة « 87 » وجود الصانع . وذلك أن الطرق الشرعية إذا تؤمّلت وجدت في الأكثر قد جمعت وصفين : أحدهما أن تكون يقينية ، والثاني أن تكون بسيطة غير مركبة ، أعني قليلة المقدمات ، فتكون نتائجها قريبة من المقدمات الأول . ( - البديهيات ) .
--> ( 81 ) س : " العقل " ( 82 ) . س : ثبت في المتن " أن الإرادة حادثة " ، في : ت . مل 1 ، قا : " أن الإرادة موجدة موجودات حادثة " . وهذه الإضافة أكد عليها مل 2 معللا أنه بدونها يتناقض المعنى . ( والصواب في نظرنا هو ما في المتن . فالمعنى : أن " الأظهر منه " ، أي ما يعطيه ظاهر الشرع بوضوح هو أن الإرادة حادثة ، كما في الآية : " إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ . . . " فالشرط " إذا " يفيد حدوث الإرادة . وهذا المعنى الظاهر هو المناسب للجمهور . م . ع . ج ) ( 83 ) . ت ، مل 1 : " بيناها " . وراجعها مل 2 فصححها : بينا وهيها . ( لا حاجة لهذا " التصحيح " : فالمعنى أن المقدمة التي بيناها : شرحناها م . ع . ج . ( 84 ) . ت : " ما يخلو " . ( 85 ) ت . سقط " ولا طرقا . " ( 86 ) هكذا في جميع النسخ : " على المعنى " ( 87 ) . في بقية النسخ : " بمعرفة " .